أبو علي سينا

234

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وأما اليرقان الأسود الكبدي ، فربما كان لشدة حرارة الكبد ، فيحرق الدم إلى السوداء ، وتكثر السوداء في البدن ، فإن أعانه من الطحال والمجاري معاون ، تمّ الأمر وربما كان لشدة بردها ، فيتعكّر لها الدم ويسودّ . وقد يكون ذلك البرد مع يبس ، وقد يكون مع رطوبة ، وقد يكون بسبب أورام باردة وصلبة . وأما اليرقان الأسود الذي بسبب البدن كله ، فإما لشدة حرارة البدن ، فيحرق الدم سوداء ، أو لشدة بروده فيجمده ويسوده . وكل يرقان أصفر ، أو أسود ، يكون سببه البدن كله ، فهو بسبب العروق المنبثة في البدن ، ويكون فساد استحالة الدم إليها على قياس فساد استحالة الدم إلى مادة الاستسقاء اللحمي الكائنة منه ، إن لم يكن هناك فساد ظاهر في الكبد ، بل كان في العروق فقط . وقد يمكنك أن تقدم ، فتعلم أن اليرقان الأسود قد يكون للكثرة ، وقد يكون للاحتباس ، وعلى قياس ما قيل في الأصفر ، وقد تجتمع اليرقانات معاً ، إما لأن الصفراء المنتشرة يعرض لها وللمخالطها من الدم الاحتراق ، فيصير سوداء ، ويتركّب الخلطان ، أو لأن في الجانبين جميعاً آفة ، أعني جانب الكبد والمرارة ، وجانب الطحال . وقد ظن قوم أن الأصفر قد يعرض بغتة ، والأسود لا يعرض بغتة ، وذهبوا إلى أن سبب تولّد الصفراء أقوى من سبب تولد السوداء ، والسوداء تتولد قليلًا قليلًا ، وليس الأمر كذلك ، وإن كان الأكثر على ما قالوا . وقد يتفق أيضاً أن يكون اليرقان الأسود بحراناً لأمراض الطحال وما يشبهها ، إذا لم تهتد الطبيعة إلى جهة النقص لسبب معوّق . وأكثر أصحاب اليرقان الأصفر تعتقل طبيعتهم لاحتباس المنبه اللذاع الذي علمته . ومن كان به يرقان وترك ، فلم يعالجه ، ولم تتحلل مادته ، خيف عليه الخطر . وكثير منهم يصيبه الموت فجأة . وشرّ أصناف اليرقان الكبدي ما كان عن ورم ، وهو الذي ذكره أبقراط فقال : إذا كان الكبد في الماروق صلبة ، فذلك دليل رديء . وقد قال أبقراط في بعض ما ينسب إليه : أن من اليرقان ضرباً رديئاً سريع الإهلاك ، ويكون في بول صاحبه شبيه بالكرسنّة أحمر اللون ، ويكون معه غرز في البطن ، وحمى ، وقشعريرة ضعيفة ، ويكون ضعف في الكلام من شدة الدوار ، وهذا يقتل إلى أربعة عشر يوماً . فصل في علامات اليرقان الأصفر : اعلم أن أكثر اليرقانات الصفر والسود ، فإن زيد البول يُصبغ فيها ، وكلما كان البول أكثر صبغاً ، فهو أحدّ ، وأدل على سلامة الكبد وقوتها .